فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

قيل : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت : هي جنات عدن ، وإن شئت قلت : جنات عدن رفع بالابتداء ، ويدخلونها خبره ، وإن شئت قلت : نعم دار المتقين خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين . المسألة الثانية : قوله : * ( جنات ) * يدل على القصور والبساتين وقوله : * ( عدن ) * يدل على الدوام ، وقوله : * ( تجري من تحتها الأنهار ) * يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال : * ( لهم فيها ما يشاؤون ) * وفيه بحثان : الأول : أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله : * ( فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) * ( الزخرف : 71 ) لأن هذين القسمين داخلان في قوله : * ( لهم فيها ما يشاؤن ) * مع أقسام أخرى . الثاني : قوله : * ( لهم فيها ما يشاؤن ) * يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله : * ( لهم فيها ما يشاؤن ) * يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا . ثم قال تعالى : * ( كذلك يجزي الله المتقين ) * أي هكذا جزاء التقوى ، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال : * ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ) * وهذا مذكور في مقابلة قوله : * ( الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) * ( النخل : 28 ) وقوله : * ( الذين تتوفاهم الملائكة ) صفة للمتقين في قوله : * ( كذلك يجزي الله المتقين ) * وقوله : * ( طيبين ) * كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة ، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة ، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت ، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح ، وإن كان الحسن يقول : إنه وفاة الحشر ، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة : * ( ادخلوا الجنة ) * فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر ، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون : إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم ، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها . قوله تعالى * ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ